The dating app

هل يمكن ان يلتزم الإنسان في علاقة افتراضية؟  

تلاحقني إعلانات تطبيقات المواعدة في كل مكان. يبدو أن الخوارزميات تعرف جيدًا أنني غير مرتبطة، فتقرر أن تقوم بالمهمة بدلًا عن الجميع، أشم رائحة محاولات أمي لتزويجي بشكل عاجل 😀

في أحد تجمعات الأصدقاء، بدأت صديقتنا العائدة حديثًا من لندن بالحديث عن تطبيقات المواعدة، وكيف حضرت قبل أيام زفاف قصة ناجحة بدأت من أحد هذه التطبيقات. وأكملت بحماس أنها تعرف قصة أخرى على وشك أن تبدأ بالطريقة ذاتها، ثم التفتت إليّ ورشحت لي التطبيق، باعتباري العزباء الوحيدة في المجموعة.

في البداية، كابرت قليلًا. قلت إن هذه التطبيقات لا تشبهني، وإنني أفضّل العلاقات الحقيقية على الافتراضية. خاصة أنني أعيش في بلد غير عربي، ومعظم أصدقائي المقربين في بلدان أخرى، ما يجعلني أصلًا أعيش جزءًا كبيرًا من حياتي عبر الشاشات. والحقيقة أنني سئمت هذا النوع من التواصل، وأرغب في علاقة جادة… حقيقية، لا افتراضية!

علّقت صديقتي ببساطة: لن تخسري شيئًا من التجربة، ربما تجدين شخصًا مناسبًا من نفس المدينة، فلمَ لا؟

وبعد انتهاء اللقاء، وجدتني أفكر في الأمر بجدية. فكل حلول التعارف على أرض الواقع قد انتهت أعمل أونلاين، أعيش في بلد غريب، لا أخرج إلا للسوق أو لمقابلة أصدقاء أعرفهم مسبقًا. لا مساحة حقيقية للتعارف الجديد… فلمَ لا؟

حمّلت تطبيقًا ذو تقييمات إيجابية، وأنشأت حسابًا بصورة واحدة فقط، مع قدر كبير من التحفظ. خلال وقت قصير، انهالت الإعجابات، رغم أنني لم أكتب الكثير عن نفسي. لاحظت أن معظم الحسابات الأخرى أيضًا لا تبذل جهدًا حقيقيًا في التعريف عن أصحابها، وكأن الجميع -مثلي- قد أصابه بعض الإرهاق واليأس في رحلة البحث عن شريك حياة.

لكنني، على الأقل، كنت أتوقع من الرجل محاولة أولية لإظهار شخصيته، لا مجرد ضغط زر إعجاب عابر، وكأن الأمر تجربة حظ لا أكثر. تفاعلت مع شخص واحد بدأ الحديث بشكل لطيف. حاولت كسر الجليد بالحديث عن الهوايات، أسلوب الحياة، والتجارب. طلب حسابي على إنستغرام، ولم أجد مانعًا. انتقل الحديث هناك، ثم… فجأة، تبخر. اختفى دون سبب أو توضيح

ربما كان مجرد حماس مؤقت. ربما لم يعجبه شيء في أفكاري أو أسلوبي، وهذا حقه تمامًا وأحترمه. لكن ما لا أحترمه هو الغوستنغ—الاختفاء بلا كلمة. جلست أفكر: هل بدوتُ له شخصًا غير جاد؟ أم أنه فقد الاهتمام؟ في كل الأحوال، كان يمكنه ببساطة أن يكون صريحًا، أن يعتذر عن الاستمرار، وينهي الأمر بوضوح.

بضغطة زر، رحل صديقنا الافتراضي، تمامًا كما يفعل الأطفال حين يفقدون شغفهم بلعبة ما. الحقيقة أن هذه المعضلة لا تقتصر على العالم الافتراضي، بل نعيشها أيضًا في علاقات الواقع اليوم. يبدو أن مشاكل العلاقات انتقلت معنا كاملة إلى الشاشات

تعرض كثير من الأصدقاء والصديقات لتجارب مشابهة. والسؤال الذي يلحّ عليّ دائمًا: لماذا يصرّ الإنسان على المراوغة والهروب حين يشعر بمأزق، بدل المواجهة؟

أظن أننا أصبحنا ناضجين بما يكفي لنكون واضحين مع أنفسنا أولًا، ومع الآخرين. كثيرون من حولي—وأنا منهم—لا نبحث عن مواعدة للتسلية أو لتمضية الوقت، بل عن علاقات جادة نستثمر فيها مشاعرنا ووقتنا بوعي وهدف

لكن ماذا عنك؟

لماذا يدفعك الفضول لاستخدام تطبيق مواعدة، وأنت أصلًا غير جاهز أو غير قادر على الالتزام في علاقة عاطفية؟

وإن لم تجد الطرف المناسب، فلمَ لا تقول ببساطة: “أشعر أننا غير متوافقين، كانت تجربة لطيفة، وأتمنى لك التوفيق”؟

يبدو أن الخوف من الرفض هو المتهم الأول. يعتقد البعض أن الرفض قسوة، فيختارون الهروب. بينما الرفض -في حقيقته- ليس إلا إعادة توجيه. فالدنيا واسعة، وإن لم أكن مناسبة لك، سأكون مناسبة تمامًا لشخص آخر في مكان آخر.

المواعدة ومحاولة بناء علاقة عاطفية تستحق أن تُدار ببساطة، لكن أيضًا بنضج وأخلاق. وإذا كنتَ أو كنتِ تنوون استخدام تطبيقات المواعدة بهدف علاقة جادة، فإليكم بعض النصائح

كن صريحًا ومباشرًا بشأن ما تحب وما تكره، وكن نفسك دون مبالغة أو تزييف.

تواصل بجدية واحترام، وإن فقدت الاهتمام، عبّر عن ذلك بوضوح.

حدّد هدفك من التعارف، وكن صادقًا مع نفسك أولًا.

اسأل نفسك: هل أنا جاهز فعلًا؟ هل أبحث عن علاقة جادة قد تصل للزواج؟ ما هي أساسياتي في شريك الحياة؟

لا تدخل تعارفًا وأنت غير مستعد لمناقشة أسلوب الحياة، القيم، والماديات

احرص على الأمان: لا تتحدث مع حسابات مجهولة، واستخدم تطبيقات موثوقة أو مجرّبة من أصدقاء.

من حقك الحفاظ على خصوصيتك في البداية، لكن دون غموض مريب.

ولا تلتقِ بشخص لا تعرفه إلا بعد التأكد من أمانه، مع مشاركة تفاصيل اللقاء مع شخص تثق به.لأن النضج في العلاقات… لا يقل أهمية عن المشاعر نفسها

Leave a comment