A TV PRESENTER TO BE

By

حكايات محطة رمسيس التي لم ترو بعد

محطة قطار رمسيس، التي تبدو صاخبة بسبب التزاحم وأعداد المسافرين المهولة ذهابا وايابا، لكن كان لي نصيب من أن استشعر صخب من نوع آخر، صخب داخلي لكل فرد بالمحطة، كلا منا في تلك المحطة معبأ بقصصه وحكاياته التي قد لا يرويها ربما لأنه لم يجد من يسمعها. صادفت قصص، تدمي القلب دمعا، لم أنو أن اعرفها أو استمع لها، لكنها من مصادفات القدر، التي يرسل إليك البشر فيها كي تتعلم منهم، وتنتقي من قصصهم الرسائل الكونية.

عزّة… مراهقة هاربة من بيت أهلها

وصل القطار إلى مشارف الإسكندرية، وقبل أن يلامس الرصيف، لفت انتباهي مشهد في آخر العربة: فتاة صغيرة، في الرابعة عشرة من عمرها أو يزيد قليلًا، يحاول شابّان التحرّش بها. لم أتردّد؛ توجّهت إليها على الفور وسألتها: إلى أين تذهبين؟ أجابت: إلى الإسكندرية. قلت: نعم، ولكن لمن؟ قالت بخوف: أقاربي ينتظرونني في المحطة.

حاولت تصديقها إلى أن وصلنا. وإذا بسائق القطار يتوجّه إلينا قائلًا: ها، هل قابلتِ أقاربك؟ ثم أضاف موضحًا أنه سمح لها بالركوب مجانًا. أجابت بسرعة: نعم. اندَهشت، فأنا لست من أقاربها. فقلت له بوضوح: لا، ومن الواضح أنها تكذب.

انهارت الفتاة باكية، واعترفت: ليس لي أقارب هنا. أنا من “الزاوية الحمراء”، وهربت من بيت أهلي لأنني لا أريد إكمال الدراسة للشهادة الثانوية. أريد أن ألتحق “بـ دبلوم الصنايع”، وأعمل في التطريز مثل أمي

تعيش عزّة مع والدتها التي تعمل في تطريز الملابس للمصانع، ووالدها سائق حاويات، يغيب طويلًا عن المنزل طلبًا للرزق. كانت مخطوبة لشاب لكنه كان يخونها مع إحدى قريباتها. لم تكن تلك المرّة الأولى التي تهرب فيها من بيت أهلها؛ وفي كل مرة كان خطيبها يساعدها بمبلغٍ من المال، دون أن تكون لديه نيّة لتحمّل مسؤوليتها.

جاءت عزّة إلى الإسكندرية “بحثًا عن عمل” لتبدأ حياة جديدة من “منظورها” بعد أن ضاقت بها السبل وخذلها أهلها وخطيبها، بسذاجة طفلة تظن أن الدنيا أقلّ قسوة من بيتها. لم تكن تدرك ما قد يواجهها لو باتت على الشاطئ كما كانت تنوي.

لم يُرد سائق القطار تحمّل مسؤولية أكبر، فاقترحتُ عليها أن تأتي معي إلى منزلي، على أن نذهب في اليوم التالي معًا إلى أهلها لمحاولة حلّ المشكلة. رفضت في البداية، ثم استجابت على مضض.

لا أنسى ردّة فعل والدتي وجدّتي حين دخلت بهما عزّة؛ تفاجأتا، حتى قالت جدّتي مازحة:
“بدل ما تدخلي علينا بعريس، دخلتي ببنت هربانة من أهلها”

تحدّثت أمي مع والدتها هاتفيًا، وأخبرتها أن عزّة بخير، وأنها معنا في الإسكندرية، وستعود في اليوم التالي. لكن الأم أصرت على عودتها في اليوم نفسه، قائلة: “أبوها هيطلّقني بسببها”. لم تفكّر الأم في الحالة النفسية لابنتها -ناهيك عن أنهم يزوجونها وهي قاصر- بقدر ما كانت تخشى ردّة فعل الأب عند عودته.

لِمَ الدهشة؟ إذا كانت هذه مجرّد قصة واحدة من بين آلاف القصص لنساءٍ مُعنَّفات، مغلوباتٍ على أمرهن. دعونا ننتقل إلى قصةٍ أخرى، لفتاةٍ صادفتُها هذه المرّة في القطار، ونحن في طريقنا إلى القاهرة.

كان المقعد المجاور لي فارغًا، فاستأذنني شابٌّ أن تجلس إلى جانبي زوجته وابنتهما. جلست الزوجة، وكانت بسيطة في ملابسها، غير أنّ ملامح البهجة والسعادة كانت واضحة على وجهها.

جلست وشكرتني، ثم سألتني: هل أنتِ من الإسكندرية؟ أجبتها: نعم.
قالت مبتسمة: «يا بختِك، كم أنتِ محظوظة! هذه أوّل مرة أزور فيها الإسكندرية». ثم تابعت، وكأنها تبوح بسرٍّ: «أصل زوجي حشّاش، ووعدني يبطل خلاص، وأخذني في الرحلة دي عربون سماح».

لم أستوعب ما أسمع. تابعت السيدة حديثها وبدأت تروي قصتها. قالت إنهما تزوّجا «على مرتبة» في بيت والدته، التي كانت تعمل في إقراض المحتاجين بالفائدة. كانت تعنّفها وتضربها في غياب زوجها، فقرّر في النهاية أن ينتقلا إلى بيتٍ مستقل. بدأ حينها مشروعه الصغير: «بسطة شاي» في موقف الميكروباصات، ثم توسّع قليلًا حتى استطاع افتتاح مقهى متواضع.

لكن تجّار المخدّرات لم يتركوه وشأنه؛ شاركوه في المشروع، وبدأ يبيع الحشيش للزبائن، ثم سرعان ما أصبح يتعاطاه هو الآخر. ومع مرور الوقت، توقّف عن البيع، وصار يستهلك كلّ ما يقع في يده. تحوّل إلى رجلٍ عصبيّ، سيّئ المزاج، يضرب زوجته، ويسلب منها مصروف طفلتهما طعامها ولبنها ليشتري «السمّ الهاري».

بعد آخر مرّة عنّفها فيها، وعدها زوجها بأن يدخل مصحّة للعلاج من إدمانه، وأخبرها أنّ معه ٦٠٠ جنيه سيأخذها بها إلى الإسكندرية لقضاء إجازة. أكلت أمّ فرح السمك، وسبحت في البحر، وصدّقت وعود زوجها، وعادت معه من رحلة الأحلام.

لا أعلم ماذا حدث بعد ذلك. لم آخذ أي وسيلة للتواصل مع أمّ فرح مرة أخرى. تُربكني القصص التي لا أعرف نهايتها؛ أرسم لها مائة سيناريو، ويأكلني الفضول لأعرف ما الذي واجهته فيما بعد. هل وفى زوجها بوعوده وتعافى من الإدمان؟ أم أخلف عهده واستمر في تعنيفها؟ وماذا عن فرح؟
هل  تعيش اليوم حياة مستقرة مع والديها؟ أم أنّ للقدر حكايةً أخرى لم تُروَ بعد؟

أم دنيا

كنتُ أقرأ كتابًا وأنتظر موعد رحلة قطاري، حين اقتربت منّي فتاةٌ عشرينية، كانت هزيلة الجسد، ترتدي جلبابًا بسيطًا متّسخًا، وتحمل بين ذراعيها طفلةً صغيرةً واهنة، كأن ضعفها امتداد لضعف أمّها.

سألتني بصوتٍ خافت: «هل يمكنني أن أجري اتصالًا من هاتفك؟» سألتها: «لمن تريدين الاتصال؟» قالت: “لشقيق زوجي”

أعطيتُها هاتفي. أجرت مكالمةً قصيرة، وعدها خلالها شقيق زوجها بالمجيء، طالبًا منها أن تنتظر قليلًا في المحطّة. لكنها ردّت عليه بانكسار: “أنا مستنياك من امبارح بالليل”

تمعّنتُ النظر فيها. كانت مرهقةً إلى حدٍّ موجع. تحمل كيسًا بلاستيكيًا فيه بعض الخبز وزجاجة مياه. سألتها: لماذا أنت هنا منذ أمس؟ فبدأت تروي قصتها.

تزوّجت وهي في السابعة عشرة من عمرها. قالت إنها كانت تحبّه وتطيعه طاعةً عمياء. سحب منها هاتفها، واستولى على ذهبها، وكان يعنّفها ويضربها. لم تحتمل، فتركت بيت الزوجية وعادت إلى أهلها، وطلبت الطلاق.

لكنّ أهلها “رجالة العائلة”، اشترطوا عليها شرطًا قاسيًا: إذا تمّ الطلاق، تترك ابنتها “دنيا” لأبيها. بسبب “احنا مبنربّيش عيال حد”. حد؟ هل هي فقط ابنة لرجل غريب، أم هي أيضا حفيدتكم!

هكذا خسرت أمّ دنيا آخر ملجأٍ لها. طُلب منها أن تختار بين كرامتها وابنتها. لم تعرف إلى أين تذهب، فاستقلّت القطار من الصعيد، عائدةً مكسورةً إلى زوجٍ نذل، لم يُجب بدوره على اتصالاتها.

وهناك، علِقت في محطة القطار الموحشة، بلا بيت، بلا سند، وبطفلةٍ صغيرةٍ تتشبّث بها، كأنها آخر ما تبقّى لها من الحياة.

في مجتمعنا المتديّن بطبعه، يكثر الجدل حول لباس المرأة، وعملها، وطاعتها لزوجها، بينما يُغفل كثيرون عمّا يمنحه الدين للمرأة من حقوقٍ قبل أن يطالبها بالواجبات. تُستدعى النصوص والأحكام الدينية أحيانًا لتقييدها، لا لإنصافها، ويُختزل الدين في أوامر تُلقى على كاهلها وحدها.

لكن ثمّة لحظةً فاصلة في حياة كلّ إنسان؛ لحظة يمكنه فيها أن يُغيّر مسار حياته، وأن يختار نفسه، وأن يتّخذ قراره بوعيه، لا أن يُساق منقادًا خلف أعرافٍ وقيود مجتمعية قد تبدو في وقتٍ ما مقدّسة، لكنها في لحظةٍ أخرى تصير ظالمة، قاسية، وغير منطقية.

تلك اللحظة ليست سهلة، لكنها ممكنة، وهي وحدها ما يصنع الفارق بين حياة تُعاش قهرًا، وحياة تُستعاد بكرامة.

قد يكون بيننا من مرّ بتجربةٍ تشبه قصصهن، وقد يكون بيننا أيضًا من استطاع أن يختار نهايةً مختلفة، وأن يكسر الحلقة، ولو بثمن باهظ.

الوعي، والثقافة المجتمعية، ومعرفة الحقوق والواجبات، والقوّة النفسية… كلّها أدوات لا غنى عنها في مواجهة أقدارنا ومحاولة إعادة تشكيلها بصلابة. لكنّ الحقيقة المؤلمة أن هذه الأدوات ليست متاحةً لجميع فئات المجتمع بالمساواة، ولهذا تستمرّ بعض القصص، لا لأن أصحابها لا يريدون النجاة، بل لأن طريق الخلاص لم يُفتح لهم بعد.

عزّة وصلت إلى وجهةٍ ما ثم تراجعت عنها لاحقًا، وأمّ دنيا كانت عالقة في انتظار وجهة، أمّا أمّ فرح فكانت في الطريق. هن لسنَ سوى نماذج لقصصٍ صادفتُها قَدَرًا، لكنها كشفت لي كم يمكن للحياة أن تكون قاسية.
نحن لا نختار أهلنا، ولا أعرافنا، ولا القبيلة التي ننتمي إليها، ولا تلك القوانين غير المكتوبة التي تُفرض علينا منذ الولادة

في كل مرة استقل فيها قطار، أتذكر 
حكاياتهن، واطرح أسئلة لا تفارقني؛ أثناء الرحلة، وحتى بعد الوصول، هل هذه هي الوجهة التي أريدها حقًا؟ هل سأكون مسؤولة تماما عن قراراتي؟ وهل نملك دائمًا حرية اختيار طرقنا؟ وإن اكتشفنا أننا صعدنا القطار الخطأ… هل يُسمح لنا بالتراجع، أم أن المجتمع لا يعترف بالعودة من بعض الرحلات؟ 

Leave a comment

About the blog

RAW is a WordPress blog theme design inspired by the Brutalist concepts from the homonymous Architectural movement.

Get updated

Subscribe to our newsletter and receive our very latest news.

← Back

Thank you for your response. ✨

Warning
Warning
Warning.