الـ self sabotag،كيف يمكن للإنسان أن يخرب ذاته دون وعي؟

رحلتي من “تخريب الذات” إلى التصالح مع الظل

في إحدى جلسات العلاج النفسي، فاجئني معالجي بسؤال لم أتوقعه: “هل سمعتِ يوماً عن مصطلح تخريب الذات؟”. أجبتُ بسخرية: “وهل هناك عاقل يخرب ذاته بنفسه؟!”. تركني معالجي مع فضولي وبعد قليل من البحث أكتشف في الجلسة التالية أنني كنت “العدو الأول” لنفسي دون أن أدري.

اكتشفت أن مصطلح تخريب الذات (Self-Sabotage) ليس مجرد كلمات، بل هو فخ وقعت فيه بعد ان نصبته لنفسي دون وعي مني. هو تلك السلوكيات التي تعرقل نجاحاتنا وتطفئ رغبة التغيير للأفضل داخلنا. فبين “التسويف المستمر” بتأجيل أحلامنا بحجة “الوقت غير مناسب” والمثالية المفرطة، تلك الآفة التي توهمنا أن العمل إن لم يكن كاملاً فلا داعي للبدء به والمقارنة المدمرة بحبس النفس في زنزانة نجاحات الآخرين ومراقبة إنجازاتهم بحسرة ولوم نفس مستمر. يأتي إرضاء الجميع مستنزفا طاقتنا في كسب رضا الناس على حساب سلامنا الداخلي لينتهي بك المطاف غير راضيا عن حياتك كلها، وهذا هو ثمن “تخريب الذات”

كنت دائماً ألوم الظروف، والأهل، والماضي، بينما كانت “أصوات التخريب” تسحبني نحو القاع. كنت أغرق في بئر الندم بينما يتحرك العالم من حولي. لا اسمح لنفسي بالخطأ، كأنني قد ولدت بطلة خارقة، متناسية تماما إنسانيتي، وغير مدركة تماما أن الخطأ والإخفاقات هي جزء أساسي في رحلة الإنسان للتعلم. 

تذكّرتُ كلّ اللحظات التي خذلتُ فيها نفسي بدافع الخوف. تذكّرتُ تلك الفرص التي حلمتُ بها طويلًا، ثم توقّفتُ عند عتباتها لأن صوتًا داخليًا كان يهمس لي: “أنتِ لا تستحقين… لا تقتربي… لا تحاولي… الفشل هو المصير الحتمي”.
وتذكّرتُ أيضًا لحظات نجاحي، وكيف كان الصوت ذاته ي ليُفسد فرحتي قائلًا: “ربما قبِلكِ الآخرون بدافع الشفقة والعطف”!

أصواتٌ وهميّة، مزعجة، تُقيم فينا دون استئذان… أليست كذلك؟

لطالما سخرت من نصيحة المختصين بـ “محاورة الظل”، حتى فعلتها. اكتشفت أن “ظلي” ليس شبحاً مخيفاً، بل هو نسخة مني لم تنل الحب والاهتمام الكافيين. عندما احتويت هذه النسخة، بدأت معركة “إعادة البرمجة”؛ صراع مرير بين وعي يحاول النهوض، ولاوعي يتمسك بآلام الماضي.

أدركت أن الخطوة الأولى للنجاة هي التسامح. نعم التسامح، فسامحت نفسي: على أخطاء الماضي، وقررت أن أحول مفهوم الإخفاقات والفشل إلى دروس ولحظات المحن المريرة إلى تجارب وخبرة. سامحت الآخرين عندما أدركت أنهم أيضا بشر، وقررت تحرير نفسي من ثقل لومهم وعبء الحقد عليهم. فبدأت اتحمل المسؤولية وتوقفت عن دور الضحية، ووجدتني أمسك بزمام قراراتي في الحاضر.

ألهمتني قصيدة أندلسية وقصة “شويخ من أرض مكناس”، وتحديداً البيت الذي يقول: “وش عليَّ من الناس وأش على الناس مني”. كانت هذه الكلمات هي المطرقة التي حطمت أصوات الخوف من أحكام المجتمع. تجردت من أقنعة “المثالية الزائفة”، وقررت أن أكون أنا، بطبيعتي، بعيداً عن انتظار المديح أو خشية النقد.

تابعت رحلتي بيقين واحد: لن ينفعني انتظار تقييم الآخرين. ما ينفعني حقاً هو الانشغال بترميم داخلي، والاستماع الواعي لأصواتي الداخلية ومناقشتها. اليوم، أقف بروح مغامرة، أستبدل “المثالية” بـ “شرف المحاولة”، وأسكت كل صوت سلبي بعبارة واحدة: “أخطأتُ، تعلمتُ، وأنا الآن جاهزة للمحطة التالية”.

لم تتوقف رحلتي عند فهم المصطلحات، بل تعمقتُ أكثر في فهم عميق لنفسي، مدفوعةً بفضول لا يتوقف، فرحلة الوعي الذاتي مليئة بالمغامرات والتحديات لدعم تلك الروح التي أُهملت طويلاً. كنت أريد أن أفهم لماذا قد يختار عقلي أن يحاربني؟ 

اكتشفتُ أن أصوات التخريب الذاتي لا يمكنك أن تخرسها بسهولة؛ إنها تستيقظ بين الحين والآخر، تهمس لي بالتراجع، وتحاول إغرائي بالعودة إلى منطقة الراحة الباردة. بل وصل بها الأمر أن تحرضني على التوقف عن الجلسات النفسية نفسها، كأنها “نظام دفاعي” قديم يخشى التغيير، ويدمن الغرق في بحور الندم والعتاب وجلد الذات.

في السابق، كنت أهرب من هذه الأصوات أو أستسلم لها، أما الآن، فقد اخترت استراتيجية المواجهة الهادئة، بل جعلت أصوات “التخريب” هي بوصلة للنجاة. لا أُسكتها، بل أمنحها حق الكلام وأستمع إليها بوعي، أحللها وأفهم أنها نابعة من خوف قديم، لا من واقع حالي، افعل العكس تماما بمجرد أن تملي عليّ تلك الأصوات أمراً بالتراجع، أتقدم. وإذا همست لي بالكسل، أصر على المثابرة. لقد أصبحت هذه الأصوات هي المحفز لي لأفعل الصواب.

كل محاولة من عقلي الباطن لعرقلة مسيري، أواجهها بإقدام أكبر. أدركت أن هذه الأصوات هي “الرقصة الأخيرة” للأنماط القديمة قبل أن أقوم بتحويلها لوعي صحي. في تلك اللحظة، لا أرمم ما انكسر فحسب، بل أبني هيكلاً جديداً داخليا مستعدا ومقاوما للعواصف الداخلية.

اليوم لا أسير خلف مخاوفي، بل أجعل مخاوفي تمشي خلفي، تراقب كيف أكسر كل يوم قيداً جديداً، وكيف أحول “صوت التخريب” إلى “شهادة إثبات” بأنني على الطريق الصحيح نحو التغيير.

ربما تهمس لك أنتَ أيضًا أصواتٌ كهذه، تُخرّب آمالك وطموحاتك، وتُثبّط عزيمتك، وتُلحّ على عدم قدرتك وفشلك. استمع إليها بهدوء، حاوِرها، ثم دعها تمرّ من جانبك… لا تسمح لها أن تطغى عليك أو تُغطي على صوتك الحقيقي، ولا أن تُضلّك عن الطريق.

Comments

Leave a comment